الخليج العربي / صحف الكويت / الانباء الكويتية

«إحياء التراث» تنظم ندوة «اعرف الحق تعرف أهله»

ضمن جهودها في توعية الشباب والكشف عن الشبهات والآراء الشاذة والمنحرفة، نظمت إدارة الكلمة الطيبة (المراقبة الثقافية) التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي ندوة عامة بعنوان: «اعرف الحق تعرف أهله» تحدث في بدايتها الشيخ د.حسين القحطاني حول تعريف الحق لغة واصطلاحا، وتعريف الباطل لغة واصطلاحا، والحق كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية، والباطل كما جاء فيهما.

فقال: إن الحق مطلب لكل راغب في النجاة، والنجاة لا تكون إلا بالوصول إلى الحق، وهذا الحق كل يدعيه، ولكن لا سبيل للوصول إليه إلا بمعرفة الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهذا الحق لا يكفي أن يعرف بالدليل حتى ينضم إليه اتباع له، وقد جاء في الدعاء المأثور عن السلف «اللهم نسألك أن ترينا الحق حقا وأن ترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلا وترزقنا اجتنابه»، وبالتالي لو كان مجرد معرفة الحق كافية في نجاة من عرفه لكان أحق النجاة به هم اليهود، ومع ذلك حكم الله عليهم في كتابه بـ (المغضوب عليهم)، لأنهم عرفوا الحق ولكن لم يأخذوه ولم يتبعوه، فالسبيل الى معرفة الحق يكون بالدليل، وهذا الدليل الذي هو نابع من الكتاب والسنة وإجماع الأمة هو النجاة، فلا يعرف الحق بالرجال، لأن أفهامهم محل أنظار قد تقبل وقد ترد، وأيضا ما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أن من تمسك بالوحيين ولم يقدم عليهما آراء الرجال، فهذا يدعى بالموفق حقا.

فلا يضر أصحاب المنهج الذين يلتزمون بالدليل ويقدمونه على آراء الرجال وأهواء الناس والمذاهب والآراء والحزبيات بألوانها لا يضر أصحاب هذا الحق جعجعة هؤلاء أبدا، لأنهم إنما يسيرون على دليل معصوم من الكتاب والسنة، ومن الواجب أن نصبر في الثبات على ذلك.

وفي الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر»، والخير كل الخير كل الخير في اتباع الوحيين الكتاب والسنة، وقد رتب الله تعالى على ذلك الفوز والفلاح (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) ورتب عليه الهداية كما في قوله جل وعلا: (وأن تطيعوه تهتدوا). فإن وجدت الطاعة حصل الاهتداء، وإلا فلا.

وفي المقابل، جاء التحذير من مخالفة الكتاب والسنة، بل ورتبت الشريعة على ذلك العديد من الأمور مثل وقوع الفتنة، أو العذاب الأليم، قال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)، والفتنة - كما قال أحمد - هي الشرك. بل ان الشريعة توعدت من تولى عن طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بالعذاب الأليم.

وأوضح الشيخ القحطاني أن في السنة ما يدل على وجوب اتباع الدليل الشرعي لا أفهام الناس، فالفقه قائم على دليل وتعليل على أصل في الكتاب والسنة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله، قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقط أبى».

وقد اشتد النفير من الصحابة على كل من عرف عنه مخالفة الدليل، حتى ولو لم يكن قاصدا ازدراء الدليل، فكانوا يرون ترك الدليل وعدم العمل به شيء عظيم.

ولو نظرت إلى حال الكثير من المتبوعين الآن لوجدت الأهم عندهم هو تجميع السواد الأعظم من الأتباع ولو كان ذلك على حساب أدلة الكتاب والسنة.

يقول الإمام أحمد - رحمه الله: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون لرأي سفيان» يقصد أنهم يذهبون لرأي سفيان حتى لو كان يصادم الدليل من الكتاب والسنة، ويقول: «لا تقلدني ولا تقلد مالك ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا»، فهذه تربية عملية من هذا الإمام.

يقول الشافعي: «ولقد زل أقوام بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال، فخرجوا بذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سبيل الله». ويقول ابن تيمية: «ليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إليه ويوالي ويعادي عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة». وجميعنا يرى الآن بعض الدعوات على الساحة التي تضرب أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوال القرآن وأقوال السلف عرض الحائط متى ما خالف ما أصل عليه أتباعهم.

وإذا تقرر كل ما سبق، فإن الحق الذي نتكلم عنه لغة يعرفه العلماء: بأنه كل ما هو خلاف الباطل، وهو الشيء الواضح الجلي البين، وهذه صفة القرآن والسنة، وقد ورد لفظ «الحق» في القرآن الكريم في أكثر من (283) موضعا، جاء أكثرها بصيغة الاسم، وجاء بصيغة الفعل، وقد ورد في القرآن على عدة معان منها: الحق هو الله سبحانه وتعالى (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض)، وجاء بمعنى القرآن الكريم، وجاء بمعنى الإسلام، وجاء بمعنى التوحيد والصدق، وبالحق الذي يضاد الباطل، والدين بمعنى الذمة، والحظ والنصيب والحاجة والبيان وغيرها.

وأما الباطل: فهو ضد الحق، والحق وبالباطل ضدان لا يجتمعان، والباطل جاء في القرآن على عدة معان، منها: الإحباط، والشرك، والظلم.

وفي نهاية محاضرته، أوضح الشيخ د.حسين القحطاني أن مقوله: «اعرف الحق تعرف أهله، وأن الحق لا يعرف بالرجال» مقولة مباركة طيبة ينبغي لنا في مثل هذه الأزمنة أن نجعلها نبراسا تروج بين شبابنا في خضم دعوتنا، لعل الله تعالى أن يرزقنا المحافظة على التمسك بهذا الأصل وهو (الحق) الذي اجتمعنا عليه، والذي نسأل الله تعالى أن يثبتنا عليه إلى يوم أن نلقاه.

بعد ذلك، تحدث الشيخ د.عثمان الخميس، حول «معرفة معايير قياس الحق والباطل، وكيفية التمييز بينهما»، فقال: لقد اختلط الحق بالباطل عند الناس، وشوهت صورة الحق، ولم يعرف الكثير من الناس السبل التي من خلالها يميزون بين الحق والباطل، ولا يفرق البعض بين الحق وقائل الحق، فإن اتباع الحق أحق، والله جل وعلا أمرنا باتباع الحق، وأن يكون اتباعنا هذا على بصيرة، والأصل أن يتبع الحق لا أن يتبع صاحب الحق، إلا إذا كان صاحب الحق معصوما، ولذا قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن المقصود بـ (حبل الله) هو القرآن الكريم، وذهب بعضهم إلى أنه الإسلام، وقال آخرون إنه: محمد صلى الله عليه وسلم، وأي كان هذا فهو معصوم، أما غير المعصوم فلا تؤمن عليه الفتنة، فهو قد يخطئ، وقد يضعف عن إظهار الحق وقوله، أو قد يزيغ عن الحق ويتبع الباطل، لذلك لا بد أن نعتمد هذا العنوان: «اعرف الحق تعرف أهله»، و«لا تنظر الى من قال ولكن انظر إلى ما قال»، والصحابة على جلالة قدرهم إنما تعلقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ذاتا ومعنى، أي ليس لذات النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وإنما لما جاء به من الحق، أما غير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فبعضهم إنما تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم لذاته فقط، لذلك كانت الردة بعد موته صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: إنما هي أموال كنا نؤديها لرسول الله، فلما مات انتهى الأمر، وأن الشرع بوجود النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا مات انتهى كل شيء.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغرس هذا الأمر في نفوسهم، فنجده يستشيرهم ويقبل اعتراضاتهم في بعض الأحيان وينبههم إلى ما عندهم من الأخطاء، ويبين لهم المقصود هو اتباع الحق.

فعلقهم بالمعاني والمواضيع لا بالأشخاص، وقال بعض العلماء: لعل هذه هي الحكمة التي من أجلها لم يبق الله جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم ولدا ذكرا، حتى لا يتعلق الناس بالذوات، أو بنسل النبي صلى الله عليه وسلم، بل على الناس أن يتعلقوا بما جاء به.

فالقصد أن يتعلق الإنسان بالحق لا أن يتعلق بالرجال، فإن الرجال لا تؤمن عليهم الفتنة، يقول صلى الله عليه وسلم: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد»، وما كان ذلك إلا لأن الله تعالى جعل العصمة في النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل العصمة في أصحابه إذا اجتمعوا عليها.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن يبين للناس الفرق بين محمد كنبي وبين محمد كبشر، فهو نبي معصوم ولكنه يخالط الناس، ويعيش معهم ويتعامل ويأكل ويشرب ويشتري ويبيع معهم، وكان يتزوج النساء، وهذه من الأسباب العظيمة التي تمنع التعلق بالذوات، لأن الناس عندما يرون القدوات فإنهم يظنون أنهم مخالفون للناس، وأن حياتهم مختلفة عنهم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يتعامل معهم ويختلط معهم، فهذا يبين لهم أنه بشر، فإذا علمنا البشرية في النبي صلى الله عليه وسلم أمكننا أن نقتدي به، وألا نعظمه كما عظمت النصارى عيسى بن مريم، بل حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك.

تحدث بعد ذلك الشيخ المحاضر حول أسباب تعلق الناس بالذوات، أو بالأشخاص وليس بما جاءوا به، منها: إعجاب الناس بهم وتعظيمهم، وذلك لأن الناس إذا أعجبوا بشخص قالوا انه لا يخطئ أبدا، وقلدوه في كل شيء، وقبلوا منه الحق والباطل، ولا شك أن الناس يأتون بالحق والباطل، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأتي إلا بالحق، فهو المعصوم، فإنه لا يجوز التعلق بالبشر، وإذا خالط الإنسان العلماء والقدوات عرف حقيقتهم، وأنهم بشر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا