الارشيف / أخبار العالم / صحف مصر / الدستور

د. رائد العزاوى يكتب: الشهيد المتجدد أسرار قتلة الحسين

إنه يوم الإثنين العاشر من المحرم سنة ٦١ هجرية، الموافق ١٢ أكتوبر ٦٨٠م.. الحسين بن على بن أبى طالب يقف هناك عند الصحراء، جنوب غرب العراق، بالقرب من نهر الفرات، على مقربة ميل فقط، عشرون خيمة وضعت أوتادها، هناك ٣٢ فارسًا والباقى من المشاة، قيل إنهم ٧٢ رجلا يتقدمهم العباس بن على بن أبى طالب، الأخ غير الشقيق للحسين، فأمه فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة الكلابية المكناة بأم البنين، كان صاحب اللواء فى ذلك اليوم.

 

وأمام الحسين ومن معه، كان هناك المعسكر الآخر، يقودهم عمرو بن سعد، وعبدالله بن زياد (أمُّه سيرورية، وكانت بنت بعض ملوك العجم، قيل إنها بنت يزدجرد). وكان فى كلامه شىء من كلام العجم وقد عُرِف بالحزم والحسم والقوّة والبطش، ولمَّا قُتِل الحسين (كان عمره ثمانى وعشرين سنة) ومعه ٤ آلاف فارس ومثلهم تقريبا من المشاة.

 

تعتبر واقعة «الطف» من أكثر المعارك جدلًا فى التاريخ الإسلامى، فقد كان لنتائج وتفاصيل المعركة آثار سياسية ونفسية وعقائدية لاتزال موضع جدل حتى الآن، وتعتبر هذه المعركة أبرز حادثة من بين سلسلة من الوقائع التى كان لها دور محورى فى صياغة طبيعة العلاقة بين المسلمين بجناحيهم «السنى» و«الشيعى» عبر التاريخ.

 

وأصبحت معركة كربلاء وتفاصيلها الدقيقة رمزا للشيعة ومن أهم مرتكزاتهم الثقافية، وأصبح يوم ١٠ المحرم أو يوم عاشوراء، يوم وقوع المعركة، رمزًا من قبل الشيعة «لثورة المظلوم على الظالم ويوم انتصار الدم على السيف». وعلى الرغم من قلة أهمية هذه المعركة من الناحية العسكرية، حيث اعتبرها البعض تمرّدا سياسيا فاشلا قاده الحسين، إلا أن هذه المعركة تركت آثارًا سياسية وفكرية ودينية مهمة، وأصبح شعار «يا لثارات الحسين» عاملًا مركزيًا فى تبلور الثقافة الشيعية، وأصبحت المعركة وتفاصيلها ونتائجها تمثل قيمة روحانية ذات معان كبيرة لدى الشيعة، الذين يعتبرون معركة كربلاء ثورة سياسية ضد الظلم.

 

بينما أصبح مدفن الحسـين فى كربلاء مكانًا مقدسًا لدى الشيعة يزوره مؤمنوهم، مع ما يرافق ذلك من ترديد لأدعية خاصة أثناء كل زيارة لقبره. وأدى مقتل الحسين إلى نشوء سلسلة من المؤلفات الدينية والخطب والوعظ والأدعية الخاصة، التى لها علاقة بحادثة مقتله وأُلفت عشرات المؤلفات لوصف حادثة مقتله.

 

موقف الصحابة: القلوب معك والسيوف عليك

هناك اعتقاد سائد لدى سواد عظيم من المسلمين، أن الصحابة وقفوا مع الحسين فى ثورته، ولم يتخلوا عنه أو يتركوه وحيدًا لمصيره المفجع، لكن الحقيقة التاريخية تختلف كثيرًا عن ذلك المعتقد، فقد كان حول الحسين قلة، فكل كان يغنى على ليلاه.

 

ففى عام ٦١هجرية، كان الكثير من الصحابة قضوا نحبهم، إما فى الغزوات والفتوحات الإسلامية، وإما فى الحروب الأهلية التى جرت عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وإما لانقضاء أجلهم ووفاتهم بشكل طبيعى، وجاء الجيل الثانى من الصحابة، مشاركا فى الأحداث السياسية بقوة. وأهم زعماء هذا الجيل هم العبادلة الثلاثة، عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن العباس، ومعهم الحسين بن على، رضى الله عنهم جميعا.

 

وجاءت المواقف بين مؤيد ورافض، فالكل له أسبابه الموضوعية والتاريخية والشخصية، فعبدالله بن عمر لم يثبت عنه فى كتب التاريخ أنه نصح الحسين أو نهاه عن الخروج، فهو الملتزم بطاعة ولى الأمر، أيا ما كان هذا الولى، وأن الخروج عليه أو الثورة ضده، هو خروج عن مبدأ أقره القرآن: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم». أما ابن الزبير، فتتفق المراجع التاريخية، ومنها تاريخ الطبرى والكامل لابن الأثير، ومقاتل الطالبيين لأبى الفرج الأصفهانى، أنه شجع الحسين على الثورة وعدم مبايعة يزيد بن معاوية، ويجمع المؤرخون على أن ابن الزبير هو من أشار على الحسين بالخروج من المدينة إلى الكوفة فى العراق، وهو القائل للحسين: «فما يحبسك هنا والنار من حولك، فوالله لو كان لى مثل شيعتك بالعراق ما تلوّمت فى شىء، فَسِر بأهلك»، وكان.

وابن الزبير له فى ذلك مطمع، فهو يرى أن مقتل أبيه كان على يد ابن جرموز بعد موقعة الجمل، وقد ترك دينا كبيرا على نفسه، فكان على ابن الزبير سداده، لكنه كان يرى أحقيته فى ولاية مكة من ابن أمية، فكان غرض ابن الزبير أن يخرج الحسين من مكة، فيتفق المكيون عليه هو، إن أعلن الثورة فيما بعد، الأمر الذى حدث فعلًا بعد مقتل الحسين.

 

أما عبدالله بن العباس، فتذكر كتب التاريخ أنه منع الحسين من الخروج بكل ما أوتى من قوة، كما ورد فى كتاب «مقاتل الطالبيين»، أن ابن العباس قال للحسين: «والله لو أعلم أنى إذا تشبثت بك وقبضت على مجامع ثوبك، وأدخلت يدى فى شعرك حتى يجتمع الناس علىّ وعليك، كان ذلك نافعى لفعلته، ولكن أعلم أن الله بالغ أمره، وأما وإنك سائر بأهلك، فاعلم أنى أشهد الله عليك أنى أرى مصارعك».

 

لكن أيا كانت المواقف، وإن اختلفت فيها أقوال العلماء، فإنها جاءت حسب هوى فى نفوس أصحابها، فالحسين وبعد مقتل أخيه الحسن، شعر بأن الأخير ظُلم وغُدر به من الأمويين، فمعاوية هو من قتل الحسن، سواء بحسب الرواية القائلة بأن جعدة بنت الأشعث زوجة الإمام الحسن هى التى دست السم بأمر من يزيد، أو بالرواية الأخرى، بأن أهل الكوفة هم من أقنعوا جعدة بوضع السم للحسن، وبذلك فقد الحسين فرصته فى أن يكون أميرا للمؤمنين، حيث إن الصلح الذى عُقد بين الإمام الحسن ومعاوية كان ينص على أن يتنازل لمعاوية مقابل أن يكون هو الخليفة، ثم من بعد أخيه الحسين، أما وقد مات الحسن فإن الولاية ستذهب ليزيد.

 

الطريق إلى كربلاء.. كَرب وبَلاء

خرج الحسين من مكة صباح يوم الثامن من ذى الحجة (يوم التروية) بعد أن طاف بالبيت العتيق، ثم سعى بين الصفا والمروة، ثم شرب وصحبه من زمزم، وكان معه أهل بيته وبعض من أهل الكوفة ونفر من أصحابه، قيل إنهم نحو ٨٠ وقيل ٦٠، وعند أطراف مكة قابلته خيول يحيى بن سعيد، وقيل إن قائد الشرطة عمرو بن سعيد بن العاص اعترضه أيضا، فما كان من الحسين إلا أن قال لهم: «والله إنكم لتعترضون أهل بيت النبى، فى بيت الله، والله لو أن للبيت حرمة ما كانت حملتكم ظهور خيولكم».

 

فقال له رسول عمرو بن سعيد، عبدالرحمن بن علقمة: «إن الأمير يأمرك بالانصراف، فانصرف، وإلا منعتك»، فامتنع الحسين، وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط. وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى صاحب شرطته يأمره بالانصراف.

 

وهكذا سار الحسين نحو الشمال حيث التنعيم؛ ثم الصفاح حيث التقى بالفرزدق الشاعر المعروف، وببشر بن غالب ومع عون بن عبدالله بن جعفر؛ ثم إلى وادى العقيق، ثم غمرة حيث ارتوت إبل الحسين، ثم أم خرمان، ثم سلح؛ ثم أفيعية؛ ثم العمق، ثم سليلية؛ ثم مغيثة ماوان، ثم النفرة، ثم الحاجز حيث أرسل من هناك قيس بن مسهر إلى الكوفيين؛ ثم السميراء، ثم أجفر، حيث التقى فيها عبدالله بن مطيع البصرى الذى نصح الحسین بالرجوع؛ ثم الخُزَيْميَّةُ؛ ثم الثعلبية؛ ودخل أرض العراق عند بركة أبى مسلك؛ ثم جبل ذى حُسَم الذى التقى فيه مع الحر بن يزيد الرياحى الذى استشهد معه فى الطف؛ ثم البيضة؛ ثم المسيجد؛ ثم الحمام، ثم المغيثة، ثم أم القرون، ثم العذيب؛ ثم قصر بنى مقاتل الذى التقى فيه بعبيد الله بن الحر الجعفى؛ ثم القطقطانة، ثم كربلاء؛ ومنها إلى وادى الطف الذى نزله فى الثانى من المحرم سنة ٦١ هجرية.

 

فى كربلاء تلقى الحسين نبأ مقتل مسلم بن عقيل، وهانى وعبدالله بن يقطر، وقتلوا جميعا وهم يحملون رسائل الحسين إلى أهل البصرة والكوفة، ولمّا وصلها، قال: ما اسم هذه الأرض؟ فقيل: كربلاء. فقال: اللهمَّ إنّى أعوذ بك من الكرب والبلاء.

 

ولما نزل الحسین وأصحابه كربلاء، كتب الحرّ بن يزيد الرياحى إلى عبيدالله بن زياد بالخبر، فكتب الأخير كتابًا إلى الحسين يقول فيه: أما بعد، إنّ يزيد بن معاوية كتب إلىَّ أن لا تغمض جفنك من المنام، ولا تشبع بطنك من الطعام أو يرجع الحسين على حكمى، أو تقتله والسلام، فلما ورد الكتاب قرأه الحسين ثم رمى به، وقال: «لا أفلح قوم آثروا مرضاة أنفسهم على مرضاة الخالق».

 

فقال له الرسول: «أبا عبدالله! جواب الكتاب؟». قال: «ما له عندى جواب، لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب». فأخبر الرسول ابن زياد بذلك، فغضب من ذلك أشدّ الغضب‏ وأمر بإعداد الجيش لمحاربة الحسین.

 

النموذج الأعلى لـ«الشر».. كيف قطع «الكلب الأبقع» رأس حفيد النبى؟

فى يوم العاشر التقى الجمعان، وبادر جيش يزيد بالنبال فأصيب عدد من أفراد جيش الحسين، فقُتل العديد من أبناء الحسين وإخوته. وأشهرهم أخوه العباس بن على، الذى كان يُعرف بقمر بنى هاشم. وتناول أبوالفرج الأصفهانى فى كتابه «مقاتل الطالبيين»، قصة مقتله أثناء إحضاره للماء لسقاية الحسين، حين أحاط به جمع من الأمويين فقطعوا يده اليمنى ثم اليسرى، ثم أجهزوا عليه تمامًا ومنعوه من توصيل الماء لمعسكر الحسين.

 

ويحتل العباس موقعًا متميزًا فى المذهب الشيعى، ويزور ضريحه فى كربلاء الكثير من الشيعة، وتُنسب له الكرامات والخوارق، كما اشتهر بلقب «ساقى العطاشى».

 

ويعتبر «عبدالله» الرضيع، ابن الحسين، واحدًا من أبرز ضحايا مذبحة كربلاء. يذكر أبوالفرج الأصفهانى أن أحد أفراد الجيش الأموى يُدعى حرملة رماه بسهم وهو بين يدى والده فقتله.

 

ومن أنصار الحسين، الذين قتلوا فى كربلاء، زهير بن القين، الذى يذكر المجلسى فى كتابه «بحار الأنوار» شجاعته وبأسه فى قتال الأمويين، وأنه لم يُقتل حتى قتل ١٢٠ رجلًا وحده. كذلك «الحر بن يزيد الرياحى»، الذى يذكر الطبرى فى تاريخه، أنه كان أحد قادة الجيش الأموى، فلما عرف نية عمر بن سعد فى قتل الحسين وتأكد منها، انضم إلى الحسين وقاتل معه حتى قُتل.

 

وظل الحسين يقاتل حتّى أصيب باثنين وسبعين جرحا، فوقف يستريح وقد ضعف عن القتال، وبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته، فسالت الدماء منها، فأخذ الثوب ليمسح عن جبهته فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب فوقع فى قلبه، فقال الحسين: «بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله». ورفع رأسه إلى السماء، وقال: «إلهى، إنّك تعلم أنّهم يقتلون رجلًا ليس على وجه الأرض ابن نبىٍّ غيره».

 

ثمّ أخذ السهم وأخرجه من وراء ظهره، فانبعث الدم كالشلال، فوضع يده على الجرح، فلمَّا امتلأت دمًا رمى بها إلى السماء وقال: «هكذا والله أكون حتّى ألقى جدِّى محمّد (صلّى الله عليه وسلم) وأنا مخضوب بدمى، وأقول: يا رسول الله، قتلنى فلان وفلان».

 

ثمّ ضعف عن القتال، فوقف مكانه، فكلَّما أتاه رجل من الناس وانتهى إليه انصرف عنه، وكره أن يلقى الله بدمه، حتّى جاءه رجل من كندة يقال له: مالك بن نسر، فضربه بالسيف على رأسه، وكان عليه برنس، فقطع البرنس وامتلأ دمًا.

 

فقال له الحسين (عليه السّلام): «لا أكلت بيمينك، ولا شربت بها، وحشرك الله مع الظالمين». ثمّ ألقى البرنس ولبس قلنسوة واعتمّ عليها، وقد أعيى وتبلّد، ثمّ نادى شمر: ما تنظرون بالرجل؟ فقد أثخنته السهام. فأخذت به الرماح والسيوف؛ فضربه رجل يقال له زرعة بن شريك التميمى ضربة منكرة، ورماه سنان بن أنس بسهم فى نحره، وطعنه صالح بن وهب المرى على خاصرته طعنة منكرة، فسقط الحسين (عليه السّلام) عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن، ثمّ استوى جالسًا ونزع السهم من نحره ، ثمّ دنا عمر بن سعد من الحسين ليراه.

 

ودنا الشمر بن الجوشن من الحسين وجثم على صدره، وسأله الحسين: من أنت الجاهز على صدرى؟ فقال له الجوشن: أنا الشمر بن ذى الجوشن الضبابى، واستل حربته ووضعها على رقبة الحسين، فقال له الحسين: «أنت الكلب الأبقع الذى رأيته فى منامى». فقال له شمر: أتشبهنى بالكلاب يا بن فاطمة؟! ثمّ جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين عليه السّلام.

 

وكل ما نعرفه عن شمر هو أنه كان مصابًا بالبرص ودميم الخلقة، وأنه سارع إلى والى الكوفة مطالبًا بالجوائز والذهب والفضة بعد قطعه رأس الحسين. وقد أضحى شمر نموذجًا ومثالًا للشر الكامل فى العقلية الشيعية، حتى صار عذابه يوم القيامة مضرب الأمثال، فيقال «فلان أشد عذابًا من شمر».

 

زينب وسكينة وزين العابدين.. أبرز الناجين

استطاع عدد قليل من أهل بيت الحسين النجاة، من هؤلاء «زينب بنت على بن أبى طالب» و«سكينة بنت الحسين». كما أن «على بن الحسين»، زين العابدين أو السجاد، كان الوحيد من أبناء الحسين الذى ظل حيا بعد كربلاء. والسبب فى ذلك، حسب ما يرويه «الذهبى» فى كتابه «سير أعلام النبلاء»، أن على بن الحسين كان مريضًا وقت المعركة فاعتزل القتال، وبقى مع النساء والأطفال، فلما هجم الأمويون على معسكر الحسين قبضوا عليه وأسروه، وأرسلوه مع الباقين إلى الكوفة.

 

وقد تعرض الناجون من تلك المذبحة إلى المهانة والذل على يد «عبيد الله بن زياد» والى الكوفة، فدخلوا إلى المدينة مكبلين بالحديد والأصفاد، واقتيدوا كما يقتاد الأسرى والعبيد إلى قصر الوالى. وهناك جرت مناظرة رائعة بين زينب وابن أخيها على من جهة وابن زياد من جهة أخرى.

 

وبعد ذلك بقليل، تم نقلهم إلى الشام مع رأس الحسين إلى قصر يزيد، وعومل نساء أهل البيت فى الطريق كسبايا. وبعد الإفراج عنهم عادوا إلى المدينة المنورة، حيث أقاموا، وبقى فيها على بن الحسين، لم يخرج منها. وعرف عنه حبه للعلم وانقطاعه للعبادة وبعده عن أمور السياسة والحكم، حتى عُرف باسم «زين العابدين» واشتهر بلقب «السجاد».

 

ونلاحظ أن هناك أهمية كبرى لنجاة على بن الحسين من القتل فى معركة كربلاء، بالنسبة لأصحاب المذهب الشيعى. إذ يعتبر الشيعة الإمامية أن على بن الحسين هو الإمام الرابع فى سلسلة أئمتهم الإثنى عشر، وقد انتقلت إليه علوم آل البيت بُعيد استشهاد أبيه الحسين فى كربلاء.

 

يتفق الكثير من المؤرخين، مثل الطبرى والمسعودى وأبى الفرج الأصفهانى، على أن جسد الإمام الحسين تم دفنه فى كربلاء، فى ساحة المعركة التى شهدت مقتله. يذكر الداودارى فى كتابه «كنز الدرر وجامع الغرر»: «ووجد فى جسد الحسين ثلاثة وثلاثون جرحا، ودفنه أهل الغاضرية من بنى أسد، ودفنوا جميع أصحابه بعد قتلهم بيوم واحد بكربلاء».

 

أما رأس الحسين فحمله الأمويون معهم إلى الكوفة، وبعث به الوالى إلى الخليفة يزيد بن معاوية فى الشام.

 

وهناك اختلاف وتضارب كبير فى الأقوال والروايات حول مصير الرأس بعد وصوله دمشق. يذكر «ابن كثير» الآراء المختلفة بشأن ذلك فى كتابه «البداية والنهاية». فيقول إن الرأى الأول هو أن يزيد بعث برأس الحسين إلى المدينة حيث تم دفنه فى البقيع. الرأى الثانى يقول إنه تم الاحتفاظ بالرأس فى إحدى الخزائن الأموية، حتى توفى يزيد، فأُخذ الرأس ودفن فى دمشق.

 

أما الرأى الثالث فهو رأى للمؤرخ المصرى تقى الدين المقريزى، الذى ذكر فى كتابه «الخطط المقريزية»، أن رأس الحسين دفن فى مدينة دمشق ثم تم استخراجه وأعيد دفنه فى مدينة عسقلان، وبقى بها حتى بدأت الحروب الصليبية على بلاد الشام، فخاف الفاطميون من استيلاء الصليبيين عليه، فنقلوه إلى مصر ودفنوه فى الموضع الذى يوجد فى جواره الآن مسجد الحسين المعروف فى القاهرة وهو الرأى الأكثر تحقيقا حتى الآن.

 

70 يومًا من الأحزان و25 ألف موكب عزاء

هكذا كنت أسمع تلك العبارة: «كل أرض.. كربلاء» فمنذ نعومة أظافرى وأنا أرى المشهد وكأنه فصل من الماضى السحيق أو أحد الأفلام الإسلامية التاريخية، غير أنى أدركت أن الأمر لم يكن هذا ولا ذاك، بل كان تقليدا يحاول أهلى العراقيون من الشيعة بعثه من جديد فى مدينة كربلاء ذات البعد الروحى والتاريخى، فقد اتشح العراق كله بالسواد، رجال يرتدون أزياء تقليدية ويمتطون صهوات جياد، حاملين رايات حمراء وخضراء وصفراء وسوداء، يمتشق بعضهم السيوف أو الرماح والفئوس، وآخرون يركبون عربات ومعهم أطفال ونساء متشحات بالسواد، كأنهم يحيون معركة الطف فى إعادة تمثيل لوقائع مقتل الحسين بن على بى أبى طالب وعياله وأصحابه.

 

تفرض «طقوس محرم» أجواءها على العراق كله تقريبا باستثناء بعض المدن ذات البعد السكانى السنى، فالأسواق تُقفل تقريبا، وصالونات الحلاقة الرجالية والنسائية تغلق أبوابها وكذا الحال لمحال السهر البريئة منها وغير البريئة، وتتوقف مظاهر الاحتفال من أعراس أو خطوبة أو عقد قران. يتوقف كل شىء بدءا من الأول من المحرم ولمدة أربعين يوما، فكله مؤجل حتى «فرحة الزهرة» لانتهاء الأحزان عند الشيعة، بعد شهرى المحرم وصفر، ويصادف هذا العيد يوم التاسع من ربيع الأول.

 

وفى أسباب الفرحة أحاديث طويلة، وعلماء الشيعة اختلفوا فى هذا التاريخ، فمنهم من يقول إنه جاء لفرح «الصديقة فاطمة الزهراء عليها وعلى أبيها السلام» لأنها سمعت من أبيها صلى الله عليه وسلم قبل وفاته خبرا يسعدها، ومنهم من قال إنه يوم إمامة آخر الأئمة الاثنى عشر لدى الشيعة الإمامية وهو الإمام «محمد بن الحسن المهدى العسكرى». هكذا يعيش العراق نحو سبعين يوما من الأحزان، تبدأ فى الأول من المحرم حتى التاسع من ربيع الأول، تتوقف فيها عجلة الزمن، وكأن التاريخ يقف عند سنة ٦١ هجرية، فلا بيع ولا شراء ولا زواج ولا طلاق ولا أفراح ولا مسرات، فلا شىء سوى مواكب طويلة من الرجال يلبسون السواد فى مواكب «العزاء الحسينية» بينما يقف آلاف الرجال فى الشوارع والحارات يطبخون الطعام، وهو عبارة عن صنفين فقط «الهريسة»، وهى من القمح الجاف تطبخ فى قدور كبيرة بلحم العجل، و«القيمة» وهى عبارة عن الحمص المدقوق مع اللحم، و«التمن» أى الأرز، والقيمة والتمن يقدمان معا، وكلها تقدم بالمجان للمشاركين فى طقوس العزاء، ومع الوقت دخلت أطباق جديدة، كالشاورما بشقيها والدجاج المشوى والكفتة والكباب.. المهم أن يكون هذا الطعام لوجه الله وفى ثواب وحب الإمام الحسين، رضوان الله عليه. وتقدر إحصائيات غير رسمية أن معدل الإنفاق على المواكب الحسينية فى العراق وعددها يقارب ٢٥ ألف موكب بنحو خمسمائة مليار دينار عراقى، أى بنحو ٤٠٠ مليون دولار.

 

الاحتلال الأمريكى يعيد المواكب الحسينية.. وضعاف القلوب يمتنعون

تقع كربلاء على بعد نحو ١٢٠ كم إلى الجنوب من بغداد، ويسير إليها مئات الآلاف من العراقيين الشيعة، فى اليوم الثامن أو التاسع، على الأقدام، وهو أمر اعتاده الناس فى العراق ما بعد ٢٠٠٣، قبلها كانت هذه المظاهر ممنوعة، وحتى منتصف ستينيات القرن الماضى كانت حكومة عبدالرحمن عارف وعبدالسلام عارف تسمح بذلك، لكن نظام الرئيس العراقى صدام حسين عندما تسلم السلطة فى يوليو ١٩٦٨ منع هذه التظاهرات والطقوس خوفا من استغلالها لأى دعاية سياسية، كأن تُستخدم من قبل إيران كذريعة لدس عناصرها داخل الجموع البشرية.

 

كانت المراسم والشعائر الشيعية خلال فترة حكم نظام صدام حسين تجرى على نطاق ضيق داخل الحارات والشوارع الجانبية، برغم أن الإذاعة العراقية كانت تبث مشهد معركة الطف كاملا بصوت «عبدالزهرة الكعبى»، أشهر رواة الشيعة فى خمسينيات القرن الماضى.

 

سمح الرئيس العراقى صدام فى آخر سنوات حكمه بإقامة بعض الشعائر الدينية الشيعية من طبخ للطعام «الهريسة والقيمة والأرز» حتى إنه ظهر فى عام ٢٠٠١ وهو يقوم بمشاركة الطبخ، لكنه ظل يعارض المسيرات على الأقدام، حتى جاء الاحتلال الأمريكى ليساعد الشيعة على تولى زمام السلطة، ففتح الباب على مصراعيه أمام عودة هذه المظاهر، بل المغالاة فيها بشكل لافت للنظر، ففى كل حى أو حتى شارع تجد موكبا حسينيا يسير هنا وهناك.

 

أما عن شكل تلك المواكب، فهى عبارة عن مجموعة بصفين متقابلين من الرجال وحتى الأطفال، حاملين سلاسل حديدية، يتقدمهم متوسطا إياهما حامل الراية، بينما يكون فى آخر الصفين الشاعر الذى يلقى القصيدة الحسينية على وقع الطبول، ففى كل ضربة طبل يقوم الرجال بضرب ظهورهم، هذا المشهد يبدأ من أول المحرم حتى يوم التاسع منه.

 

أما فى اليوم العاشر، فإن البعض منهم يحمل السيوف بدلا عن سلاسل الحديد، فيما يسمى «التطبير» وهى لفظة عامية تُستخدم فى العراق وما جاوره من عرب الجزيرة الشمالية والجنوبية والخليج والأهواز، فيقولون طبر الخشبة أو العظم بالطبر (الفأس أو القدوم أو الساطور فى الشام) ويقصدون الضرب بالساطور وغيره من الأدوات الحادة. ويعتقد أنها عادة جاءت من القوقاز عبر بعض أصحاب الديانة المسيحية، حيث إنهم كانوا يضربون رءوسهم بآلات حادة لتذكر ما جرى للسيد المسيح عليه السلام، ونقلها بعض الشيعة القوقازيين إلى إيران، ومنها دخلت العراق والبحرين ولبنان، ولا تقتصر الشعائر على «التطبير» وحسب، بل إن البعض يفرش الأرض بالجمر لتدوسه الأقدام العارية، كما أن أغلب العائلات العراقية لا تقوم بطهى الطعام فى بيوتها، وتقلب النسوة قدور الطهى على ظهورها، فى إشارة إلى أن الحسين وأخواته كانوا يوم عاشوراء جوعى وعطاشى.

 

الخرافة تسيطر والغلاة يتاجرون بـ«عاشوراء»

لقد بدأ الانحراف يظهر أولًا عند استبدال عاشوراء الثورة بالمراثى والأحزان، وثانيًا بدخول الخرافات على الثانية؛ حتى إن الفاضل الدربندى أحصى القتلى على يد الحسين فى خمسين ألف مقاتل، بل فى مائة ألف أو يزيدون، بينما أثبت ابن عصفور البحرانى رقم ثلاثمائة وثلاثين ألف مقاتل، وفى رواية أخرى أربعمائة ألف، أما من قُتل على يد أبى الفضل العباس فقد بلغ خمسا وعشرين ألف قتيل. وتخلّصًا من بعض الإشكاليات وقع هؤلاء المبالغون فى مبالغتين إضافيتين: الأولى عدّ جيش ابن زياد فى (٤٦٠) ألفا، بل بلغ الرقم (٥٠٠) ألف فى بعض الروايات، وأعجب من ذلك الرقم (١٦٠٠٠٠٠) أمّا الثانية، فجاءت لدفع استحالة مقتل هذا العدد الهائل فى المدّة المعروفة عن واقعة الطف، فقالوا فى تبرير ذلك: إنّ يوم عاشوراء كان (٧٢) ساعةً، وإنّ الله، عز وجل، أخّر الشمس فى كبد السماء فلم تغب ذلك اليوم.

 

أما تمديد يوم عاشوراء إلى سبعين أو أكثر، فهو افتراء من الراوى ولم تذكره المصادر إطلاقا، ثم إنّ المسعودى، وهو من معاصرى الكلينى، لم تتجاوز مبالغته فى عددهم أكثر من ١٨٠٠، أو ١٩٥٠ عند شهر آشوب ومحمد بن أبى طالب، ولو تنزلنا على رغبة الصياغة التاريخية وفرضنا مدّة خمس ساعات قضاها الحسين فى قتال الأعداء وأنه يقتل واحدا كلّ ثانية - وهو مستحيل- فإنّ غاية ما يصله عدد القتلى هو (١٨٠٠)؛ فأين هذا العدد من الخمسين أو المائة ألف؟! إنّ أصل هذه المبالغات يعود للاعتقاد الراسخ بشجاعة الإمام الحسين، الأمر الذى شكّل ذريعةً بيد البعض ليضيف على عدد القتلى ما يشاء.

 

ثمّة عامل آخر ساعد على انتشار الخرافة فى نصوص عاشوراء، وهو سعى البعض لإبكاء الجمهور أيا كانت وسيلته، معتبرين البكاء غايتهم القصوى من فلسفة عاشوراء، فقد قسّم علماء المسلمين المجتمعَ إلى طبقات، منها: المفسّرون، المتكلمون، الفقهاء، الفلاسفة، وإلى جانب هذه الطبقات العلمية أيضا ثمة مجاميع أخرى ليست فى عداد العلماء لكنّها قريبة منهم وفوق مستوى عامّة الناس، وهم نعاة المراثى والمدّاحون والرواديد ووظيفتهم قراءة المصائب الحسينية وإبكاء الناس، وقد شكّلت طبقة النعاة منطلقا لانبثاق الخرافات والتحريف فى مشاهد عاشوراء.

 

وقد اقتضت المرحلة تقسيم الأعمال كل بحسبه، فالفقه للفقهاء، والعقائد للمتكلّمين وهكذا فروع العلوم الأخرى، أما تاريخ الإمام الحسين وسيرته، لا سيما القسم الأهمّ من حياته، فقد أوكل أمرُه للنعاة، فلم يتطلّب النعى فى الناعى شروطا كثيرة، إذ يكفى امتلاكه صوتا شجيّا يساعده على إبكاء الحاضرين؛ وبذلك نكون قد أوكلنا موضوع الحسين إلى غير العلماء، وإنما إلى المغنين ذوى الأصوات الجيدة، وهذه الطبقة لا معرفة لها بمنهجيات التاريخ بل لا تحصيل دراسى لديها، وهم اليوم فى العراق الأكثر ثراء فى المجتمع، حتى إن واحدا من هؤلاء وصلت ثروته ١٫٥ مليار دولار، وهو «باسم الكربلائى» الذى ينعى على المنبر باللغتين العربية والفارسية.

 

بينما ترك تاريخ الحسين ما قبل عاشوراء بعيدا، فهو المشارك فى أكثر من ١٠٠ موقعة، وساهم فى فتوحات المسلمين، وعمل تحت قيادة الخليفة عثمان فى مصر وشمال إفريقيا، وساهم فى تدعيم الدولة الإسلامية، وكان أحد المرافقين للخليفة عثمان ومن حماته، وطوال سنوات حكم معاوية، بعد تنازل أخيه الحسن، لم يدخر الحسين مالا ولا جهدا فى تدعيم ركائز الإسلام، فذهب إلى اليمن يعلم الناس وإلى مصر، ووضع كل ما يملك فى بناء المساجد فى بلدان الفتوحات الإسلامية، وكان نقيا تقيا عفيفا محبًّا للخير.. هذا هو الحسين فلسفيا فى كل شىء، مفسرا لما هو غير ظاهر من التقلبات التى حصلت فى المجتمع الإسلامى.

 

الحسين المُفترى عليه شهيدًا 3 مرات إحداها على يد الشيعة

إن بعض الذين مارسوا المغالاة، رفعوا الصوت وحولوا هذا الدرس الإنسانى، بروايات ضعيفة غير مسندة، إلى طقوس فقط دون الالتفات لأغلب ما حملته الواقعة، وغرقوا فى سلوكيات تسىء فى أحيان كثيرة للرسالة والهدف الذى من أجله خرج الحسين رافضا ومناهضا بيعة يزيد، بقوله: «إنما خرجت للإصلاح فى أمة جدى»، وهو الأمر الذى قاد الشيخ مرتضى المطهرى لأن يتصدى للكثير من الشوائب التى حُشرت وأضيفت على السيرة الحسينية وملحمتها.

 

ونُقل عن «المطهرى» قوله إن الإمام الحسين استشهد ثلاث مرات: الأولى على يد اليزيديين بفقدانه جسده، والثانية على يد أعدائه الذين شوهوا سمعته وأساءوا لمقامه، أما الثالثة فعندما استشهدت أهدافه على يد البعض من أهل المنبر الحسينى ومن غلاة الشيعة وكان هذا الاستشهاد الأعظم. إن التشويه وتحريف الأهداف غدر آخر. نعم، هذا هو واقع الحال، فيضاف إلى استشهاد الإمام الحسين يوم عاشوراء، استشهاد عاشوراء نفسها على مسرح التاريخ؛ فقد غُيّب مبدؤها (العدالة)، ففى كل عاشوراء شهيدان يجب رثاؤهما، ولو أنّ الإنسان أدرك كُنه عاشوراء وأبعادها، لنسى مصاب الحسين المحزن ولانقطع عن نصب المآتم عليه؛ تأسيسا على ذلك، ثمّة ظلم فى حقّ الحسين ظهيرة عاشوراء، وظلمٌ فى حقّ عاشوراء على مرّ التاريخ، فلابد من بكاء الأول بعين والثانى بالعين الأخرى.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا