مقالات / الشرق الاوسط

لا تبالغوا في البهجة إزاء القمة الكورية

يحق لنا جميعاً الشعور بالسعادة إزاء القمة الإيجابية التي عقدت بين كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، ومون جاي إن، رئيس كوريا الجنوبية، وبأن كيم اتخذ حرفياً «خطوة تاريخية» إلى داخل الجنوب، مثلما فعل مون للحظات وجيزة إلى داخل الشمال. بالتأكيد يظل الحوار خياراً أفضل من السير باتجاه الحرب. ورغم ما سبق، فإنه يبقى من الضروري أن نكبح جميعاً جماح توقعاتنا.
ورغم اتفاق القادة في إطار «إعلان بانمونجوم» على العمل معاً نحو إقرار سلام دائم بدلاً من الهدنة السارية حالياً، وإعلان الالتزام بـ«نزع التسليح النووي»، فإنه ليس باستطاعتنا التأكد من أن المبادئ الواردة في الإعلان ستبقى قائمة حتى صياغة التفاصيل، بل المؤكد أن هذه ستكون عملية طويلة وعصيبة.
وبالمثل، ينبغي أن نرحب بالقمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون المتوقع عقدها في مايو (أيار) الحالي أو يونيو (حزيران) المقبل. إلا أنه لن يكون هناك معنى حقيقي لأي إعلان تصدره هذه القمة إزاء الترسانة النووية الكورية الشمالية إذا ترك تعريف «نزع التسليح النووي» مبهماً ومن دون إقرار آلية تحقق قوية. باختصار، نحن بحاجة إلى خطوات ملموسة، يجب أن تتضمن في المقام الأول السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى كوريا الشمالية والشروع في تقييم البرنامج النووي لبيونغ يانغ وضمان، إذا أمكن، عدم استمرار كوريا الشمالية في تعزيز برنامجها وقت استمرار المحادثات.
أيضاً، يجب أن يتضمن أي إعلان أميركي - كوري شمالي تعريفاً مفصلاً لمصطلح «نزع التسليح النووي» لضمان أننا نتحدث عن الأمر ذاته. عام 1992، عندما أصدرت كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية إعلانا مشتركاً، ظهر هذا المصطلح لأن «نزع التسليح» بدا للأطراف المعنية مصطلحاً غير مقبول.
من ناحيتها، تستغل بيونغ يانغ «نزع التسليح النووي» منذ أمد بعيد لضمان أمنها وعدم تعرضها لتهديد من جانب القوة العسكرية والأسلحة النووية الأميركية. أما الولايات المتحدة، وباقي دول العالم، فتتطلع نحو نتيجة مختلفة تماماً تتمثل في تدمير الأسلحة النووية لكوريا الشمالية وفرض قيود دائمة على صواريخها. أيضاً، يتعين على الرئيس ترمب الاهتمام بقضية الأميركيين المحتجزين في كوريا الشمالية، وجرائم بيونغ يانغ السيبرية وسجلها الكارثي في مجال حقوق الإنسان.
في شهادة أدلى بها الأسبوع الماضي، قال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس إنه قرأ «الخطة المشتركة الشاملة للعمل»، (المعروفة باسم الاتفاق الإيراني) 3 مرات، وانبهر بإجراءات التحقق والمراقبة التي تضمنتها، والتي عدّها الأوسع نطاقاً في التاريخ. إلا أننا كنا على علم مسبق بمواقع الأصول النووية داخل إيران. أما في كوريا الشمالية، فإن العنصرين لا وجود لهما، الأمر الذي يتطلب إقرار نظام تحقق ومراقبة يتجاوز حتى حدود ما ورد في الاتفاق النووي.
لقد وافق زعيم كوريا الشمالية على الإمساك بيد الرئيس الكوري الجنوبي، وقريباً الرئيس الأميركي، لأنه يملك اليوم أسلحة نووية وسبل إطلاقها، وبالتالي بمقدوره تحويل اهتمامه إلى المستقبل الاقتصادي لكوريا الشمالية. ورغم أنه ما من شك في أن السنوات الكثيرة من العقوبات، والتي تكثفت خلال الشهور الماضية، تركت تأثيراً على كوريا الشمالية، فإنه تبقى لكيم جونغ أون اليد العليا في توجيه الأمور. وقد وقع مؤخراً تعهداً بإقرار اتفاق سلام العام المقبل، ودعا مون لزيارة بيونغ يانغ، وأجرى زيارة رسمية مع الرئيس الصيني، وقريباً سيجلس مع رئيس الولايات المتحدة. ولا يبدو هذا بالأداء السيئ بالنسبة لكونه زعيم النظام الأكثر عزلة في العالم.
ومع هذا، فإن ضمان أن تصبح هذه اللقاءات أكثر من مجرد مناسبة لالتقاط الصور، يستلزم فرقاً تفاوضية على مستوى فني رفيع، ودخول مفتشين إلى كوريا الشمالية، وشهوراً طويلة من العمل الدؤوب.
من بين المؤشرات التي تكشف حجم التعقيد القائم وراء هذه القضية، حقيقة أن كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية التزمتا بإبرام اتفاق سلام هذا العام، الذي من المفترض منطقياً أن يتضمن التفكيك الكامل للبرنامج النووي الكوري الشمالي على نحو يمكن التحقق منه ويتعذر إعادة البناء. وبالتأكيد إنجاز هذه المهمة ليس بالأمر الهين بالنظر إلى طبيعة الأطراف المعنية والتقييمات الفنية اللازمة وتباين التعريفات والتوقعات.
علاوة على ذلك، ثمة حاجة لعقد مشاورات مع كوريا الجنوبية واليابان والصين وحتى روسيا، لأن المفاوضات الجارية مع كوريا الشمالية تعنى في جوهرها نهاية الأمر بمستقبل شمال شرقي آسيا وتوازن القوى في المنطقة. ويساور الكوريين الجنوبيين واليابانيين بالفعل القلق من أن ترمب قد يتنازل عن أمنهم مقابل ضمانه الالتزام بشعاره «أميركا أولاً». أما الصين، فإنها بالتأكيد سترغب في الاضطلاع بدور كبير في أي نتيجة نهائية، نظراً لرغبتها في التأكيد على هيمنتها داخل آسيا، خصوصاً أن الصين والولايات المتحدة (التي كانت تعمل نيابة عن قيادة الأمم المتحدة) وكوريا الشمالية تشكل الأطراف الوحيدة الموقعة على اتفاق الهدنة المبرم عام 1953.
مما سبق يتضح أن التعامل مع كوريا الشمالية يتطلب قدراً كبيراً من الدقة والدأب، ومن دونهما؛ لن تنجز المهمة المطلوبة.

- مستشارة بارزة لدى «ألبرايت ستونبريدج غروب»، ووكيلة لوزارة الخارجية للشؤون السياسية بين عامي 2011 و2015، ومنسقة للسياسات تجاه كوريا الشمالية في عهد الرئيس كلينتون.
- خدمة «واشنطن بوست»

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا