مقالات / الشرق الاوسط

التلاقي والاستنساب في مسألة القمم

إذا كانت القمة، أي قمة، دولية أو عربية أو إسلامية أو أفريقية ، ليست الفرصة المناسبة لكي يلتقي القادة المشاركون، ليس فقط عند عقْد الاجتماع الافتتاحي ثم الختامي، وبعد ذلك يمتطي كل منهم صهوة جواده الطائر عائداً إلى بلده، فما إذن هي جدوى هذه القمة؟
مناسبة هذا الكلام أن أجواء الدورة الحالية «قمة العشرين» أخذت المنحى الذي يخالف جوهر الانعقاد، حيث إن الرئيس دونالد ترمب اعتبرها كما لو أنها قمته، وليست قمة الأرجنتين، مع كثير الاستغراب كيف أن دولة نفطية وعضواً في «أوبك»، مثل فنزويلا، ليست من المنتسبين إلى هذه المجموعة التي أنشئت قبْل تسعة عشر عاماً، في ختام اجتماع عقده في واشنطن وزراء المال في الدول الموزَّعة على أهم دول القارات الخمس. وفي اجتماعهم هذا، كانوا على درجة من الانسجام. التقى الجميع مع الجميع، في الأروقة وداخل قاعة الاجتماع، وكانت بين معظمهم لقاءات ثنائية، اقترب فيها كل منهم من الآخر.
هذا هو جوهر القمة؛ ما داموا قد أتوا فمن الواجب أن يلتقوا، بل إن اللقاء حتى بين ذوي المواقف الحادة وأصحاب الأطماع ليس أمراً مبنياً على قاعدة الاستنساب، وإنما هو واجب. وإلى ذلك، فإن عضوية القمة أو المنتدى تلغي مسألة التشاوف والتعامل وفق مفهوم أن الدولة الكبرى هي صاحبة الشأن.
ثم إن الذين أتوا إلى قمة العشرين في بيونس آيرس يتساوون في مسألة المشاكل العالقة في دولهم. وبالنسبة إلى الرئيس ترمب، فإن المشاكل التي تعيشها إدارته ليست أقل وطأة من تلك التي تعيشها فرنسا على سبيل المثال. كما أنها ليست أقل من وطأة الطلاق البريطاني عن الاتحاد الأوروبي، وانشغال البال السعودي بمحاولات انقضاض من جانب الأخ الخليجي والجار الإيراني، على وهْج المشروع النهضوي الذي مثّله في قمة بوينس آيرس ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي يتطلع إلى أن تكون دورة انعقاد قمة العشرين في الرياض عام 2020 قمته... واستثنائية بكل المقاييس.
ربما من حق رئيس أي دولة أن يعتذر عن عدم المشاركة شخصياً في القمة، أي قمة، إذا كان يفضل تفادي لقاءات ثنائية مع ذاك المنافس لأسباب يمتزج فيها الحذر بالتحدي. وفي هذه الحال، يوفد مَن ينوب عنه. أما وقد شارك شخصياً (نعني هنا قمة بوينس آيرس)، فمن باب أوْلى أن يقدِّر معاني هذه القمة، ويبذل كل ما في الاستطاعة بذْله لكي يضفي من طيبة الروح وحُسْن التعامل ما من شأنه خروج القمة بنتائج تلبي احتياجات سكان العشرين دولة الأعضاء في هذا المنتدى الدولي البالغ الأهمية (يشكِّلون 65 في المائة من عدد سكان العالم)، الذي أنجز حتى الآن 22 انعقاداً، وتشاء الظروف أن الوضع الاقتصادي، وعلى مستوى عموم دول العالم، يراوح بين السيئ والأقل سوءاً، وهذا أيضاً من ضمن الدوافع لكي تكون القمة الجديدة بعيدة عن التشاوف والتحفظات، وحافلة باللقاءات الثنائية. وحتى إذا مدَّد القادة المشاركون إقاماتهم يوماً أو بضع ساعات لهذا الغرض، فإن ذلك سيوحي بأن هنالك ما يشبه الإجماع على الرغبة في التفهم للظروف، والمساعدة على مداواة جراح معنوية في هذا البلد أو ذاك، وتلك واجبات لا يصح فيها المزاج أو الاستنساب.
ونحن كعرب عشنا تجربة مضيئة في الأربعينات، عندما وضعت قمة أنشاص، يوم 28 مايو (أيار) 1946، حجر الأساس للقمة - الواجب، وكيف أن مضيفها الملك فاروق جعل من عقْدها في قصره، داخل مزرعة بالغة الخضرة وملأى بالنوافير والطيور المغرِّدة وبكل أنواع الورود وأشجار الثمر الطيِّب المذاق، ساحة للتشاور داخل قاعة الاجتماع. وخلال التباسط في الحديث أثناء السير داخل حدائق القصر، ومن دون أي تشاوف، وعلى خلفية هذا التعاطي الطيِّب، تأسست القمة العربية بانعقاد بعد عشر سنين في بيروت، لتعضيد مصر المعتدى عليها من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، رداً على تأميم قناة السويس. ولأن هذه القمة كانت بدافع الواجب، وليس الاستنساب، فإنها أفرزت صيغة القمم العربية، بدءاً بالتي دعا إليها عبد الناصر، واستضافها بعد ثماني سنوات في القاهرة، ثم قمة بعد قمة، بعضها استثنائي، إلى أن استقر الأمر على دورية الانعقاد، كما دورية «قمة العشرين» و«القمة الإسلامية» و«القمة الخليجية» و«القمة الأفريقية» وقمة دول عدم الانحياز. وفي هذه القمم، لم يحدث أن رئيساً تشاوف على آخرين. وبصرف النظر عن مردود هذه القمم، فإن انعقادها تحت مظلة وجوب الحضور والاجتماع مع المشاركين، ثنائياً أو في الردهات أو حتى في الكواليس، جعلها في منأى عن الاستنساب والمزاجية. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن من واجب المشارك أن يتصرف ضمن الأصول... أو لا يحضر، ويترك المشاركين يحاولون، بمنأى عن التشاوف، وضْع الحلول.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا