الارشيف / ثقافة وفن / المصرى اليوم

The two popes رسائل الإنسانية في شريط سينمائي

لاقتراحات اماكن الخروج

خلال المقابلة التي أجراها النجم أنتونى هوبكنز مع قناة «بى.بى.سى» حول دوره في فيلم الباباوان the two popes، أظهر «هوبكنز» الكثير من ملامح شخصيته كالقراءة بنهم بحثًا عن الحقيقة، وكيف يرى أن كل ما حولنا يتطلب إعمال العقل، وهو ما لخصه في عبارة «إذا كنت تملك اليقين فأنت ميت.. فاليقين يدمر الناس»، وربما كانت هذه الجملة هي كلمة السر لفيلم «الباباوان» الذي عُرض لأول مرة بشكل محدود في دور السينما في نوفمبر الماضى قبل أن يعرض على شاشة نتفليكس، وهو الفيلم الذي رشح لعدة جوائز، آخرها أوسكار أفضل ممثل في دور رئيسى لجوناثان برايس، وأوسكار أفضل ممثل مساعد لأنتونى هوبكنز، وأوسكار أفضل سيناريو لأنتونى مكارتن.

الفيلم مأخوذ عن أحداث حقيقية مع بعض الخيال الدرامى، وتبدأ الأحداث لحظة وفاة البابا يوحنا بولس الثانى بابا الفاتيكان عام 2005 وتولى البابا بندكت السادس عشر، ثم تخليه عن منصب البابوية عام 2013 ليتولى بدلا منه البابا فرنسيس، وصنفت كل المواقع الفنية الفيلم بأنه سيرة ذاتية للبابا فرنسيس والبابا بندكت السادس عشر خاصة مع وجود اسم الكاتب أنتونى مكارتن الذي تولى كتابة سيناريو الفيلم، وهو الكاتب الذي اشتهر من خلال أفلام تناولت السيرة الذاتية مثل Darkest Hour، وBohemian Rhapsody، لكن الحقيقة أن المخرج البرازيلى فيرناندو ميريللز والكاتب «مكارتن» قدما هذه المرة فيلمًا يتجاوز حياة الأشخاص ليغوص في النفس البشرية بكل ما تحمله من تناقضات، وعرض التفاصيل الصغيرة التي يمر بها الإنسان يوميا ولا يشعر إلا وقد رسمت شخصيته وملامح علاقته بالآخرين ونظرته للحياة.

ففى اللحظة التي ينتظر فيها الملايين، عبر نشرات الأخبار أو في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان، تصاعد الدخان الأبيض من الكنيسة السيستينية، وهو ما يشير إلى نجاح المجمع الانتخابى للكرادلة في اختيار البابا الجديد، تبدو الأجواء داخل الكنيسة بها الكثير من المواءمات والتحالفات التي تنتهى باختيار البابا بندكت السادس عشر، وترصد عدسات التقارير الإخبارية تضارب الآراء حول البابا الجديد ما بين الإيمان بأنه اختيار الله، وبين من يجد أن العالم لا يحتمل سلطة متشددة، خاصة مع وجود خلفية سياسية للبابا تعود إلى انضمامه في شبابه للنازى.

على الجانب الآخر في الأرجنتين، يعيش خورخى برجوليو، رئيس أساقفة بيونس آيرس، كل تفاصيل حياة الناس العادية، يلقى عظته في الميادين، يشاهد معهم مباريات كرة القدم في الحانات، يسمع ويتفهم ضعفهم، وفى الوقت الذي تتداول فيه وسائل الإعلام أنباء عن خروج أموال ضخمة من بنك الفاتيكان، والاعتداء الجنسى على الأطفال من جانب القساوسة، يشعر «برجوليو» بضرورة التنحى.. ومن هنا تبدأ أجمل مشاهد الفيلم في مباريات حوارية تلقى الضوء على القصة الحقيقية لهذين الشخصين.. الذكريات والأحداث والمواقف التي انتهت بهما وهما يقضيان الوقت معا في جدال مستمر، ما بين شخص منفتح يعشق كرة القدم وموسيقى التانجو والاستماع لكل الناس مهما كانت خطاياهم، وآخر يرفض تناول الطعام مع أحد ولا يشاهد إلا برنامجًا تليفزيونيًا مملًا.

أجاد المخرج في ترتيب المشاهد التي جمعت بين البابويين وأظهرت تطور العلاقة بينهما، والتى انتهت بمشهد الاعتراف، وهو المشهد الرئيسى في الفيلم، حيث نرى ما وراء الأبطال بكل ما تحمله نظرات أنتونى هوبكنز التائهة وهو لا يدرى هل كان على صواب أم خطأ كل هذه السنوات، واعتراف برجوليو لبندكت السادس عشر بأنه يصر على التقاعد لأن الحِمل أكبر منه، إنه في النهاية بشر يريد أن يلقى بكل ما يثقل صدره ويطلب الغفران والتطهر، وأنه لا أحد منا كامل، ففى الوقت الذي كان يؤمن بأنه يحمى الناس، تقدم أحد المحامين بدعوى قضائية ضده بتهمة التقاعس، على خلفية خطف اثنين من الكهنة اليسوعيين من قبل البحرية خلال الحرب القذرة عام 1976 في الأرجنتين، ليبادره بندكت السادس عشر بأنه عاش طوال حياته لم يختبر النِعَم التي يعطيها الله للإنسان ووضع كل طاقته في الدراسة، وأن انضمامه إلى جيش المشاة الألمانى ظل يلاحقه حتى بعد انتهاء الحرب واتجاهه لدراسة اللاهوت والفلسفة.

ويبدو التحول واضحًا في أفكار ومسيرة البابا بندكت خلال أحداث الفيلم التي تجاوزت الساعتين، فبينما يتعمد إلقاء خطاباته الرسمية باللغة اللاتينية تعبيرًا عن الانعزالية والنخبوية المسيطرة عليه، يبدو الأمر على النقيض تمامًا عندما يخرج وسط زوار الكنيسة في مشهد يعكس فرحته الحقيقية لاختلاطه بالناس في اللحظة التي يحسم فيها قراره بالتنحى، وبعدها يتم انتخاب البابا خورخى برجوليو الذي يحمل اسم البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان الحالى.

وفى الوقت الذي اعتمد أنتونى مكارتن في كتابة الفيلم على الأحداث التاريخية والخطب والنقاشات الفلسفية التي سبق نشرها، إلا أن الفيلم لا يخلو من الكثير من المواقف والحوارات المتخيلة، وهو ما وصفه «مارتن» في لقاء له مع موقع The Wrap قائلا: «ما كتبته كان توقعا لما يمكن أن تسير عليه الأمور».

ففى الوقت الذي ظهرت فيه نقاشات البابوين هادئة على شاشة السينما، أشارت مجلة «التايم» في تغطيتها إلى أن علاقة البابوين لم تكن سلسة كما في النسخة السينمائية، ففى أبريل عام 2019 أصدر البابا بندكت السادس خطابا من 6000 كلمة يلقى فيه باللوم في فضيحة الإساءة الجنسية لرجال الدين على عوامل تشمل «الأفكار اللاهوتية الليبرالية الخطرة» داخل الكنيسة، وعلى الرغم من أن الرسالة لم تنتقد بابوية فرنسيس، لكن صحيفة «نيويورك تايمز» وجدت أن محتوى الرسالة بمثابة أهم انتقاد وُجّه لسلطة البابا فرانسيس حتى الآن. ويوجد عدد آخر من الأحداث الخيالية في الفيلم، كان أبرزها أن البابا برجوليو لم يسافر إلى روما لتقديم استقالته إلى البابا بندكت السادس عشر، كما أن بيندكت هو من أمر الأب مارسيال ماسييل بالتقاعد عقب الاتهامات التي وجهت له وليس البابا فرنسيس كما أظهر الفيلم.

وفى الحقيقة، وعلى الرغم مما أثاره الفيلم من تداخل الأحداث الحقيقية والخيالية، فإن فيلم «الباباوان» بمثابة مباراة فكرية رائعة بين اتجاهين متناقضين، وإذا كنت تتوقع أن تشاهد فيلما وثائقيا أو فيلما يتناول قضايا خلافية عن الكنيسة، فهذا الفيلم يتجاوز ذلك ليحمل من الرسائل الإنسانية ما هو أكبر من أي خطابات دعائية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا